نزار سرطاوي

الاردن

22.06.2011

قصيدة إلى الريح الغربية لبيرسي شيلي - ترجمة نزار

 
قصيدة إلى الريح الغربية
للشاعر الإنجليزي بيرسي شيلي
ترجمة نزار سرطاوي


 
 
 
 
 
 
1

أيتها الريح الغربية المتوحشة، يا زفرات كيان الخريف،
أنتِ التي أمام حضرتك الخفية
تندفع أوراق الشجر الميتة
كما تفرُّ الأشباح هربًا من ساحر،
 
صفراء وسوداء وشاحبة، وحمراء محمومة
جموعٌ قد ابتليت بالوباء: أنتِ
من تحملين البذورَ المجنّحَة إلى سريرِها
 
الشّتويِّ المظلم، حيث ترقد باردةً متردية، 
كلٌ منها أشبه بجثّةٍ داخل ضريحها، إلى أن
تنفخ شقيقتك اللازوردية التي تأتي مع الربيع 
 
في بوقها على الأرض الغارقة في أحلامها، وتملاُ
(وهي تسوق البراعم الحلوة كالقطعان لتتغذى في الهواء)
السهولَ والتلالَ بألوانٍ وروائحَ تعجّ بالحياة:
 
أيتها الروح البرّية التي تتحرك في كل مكان؛
أيتها المدمرة والحافظة؛ اسمعي، أتوسل إليكِ، اسمعي!

 
2


 أنت، من على تَيّارِكِ، وسط هياج السماء الشاهقة،
تتبعثر الغيوم كما تتبعثر أوراق الشجر الذاوية على الأرض،
حين تُنْتَزَعُ من أغصان السماء والمحيط المتشابكة،
 
ملائكةُ المطر والبرق: هناك تتناثر
على السطح الأزرق لدفقك الهوائي
مثل الشعر اللامع الواقف فوق هامةٍ
 
منيادةٍ* شرسة، من حافة الأفق
القاتمة إلى عنان السماء،
خصلاتٌ من العاصفة القادمة. أنت يا أنشودةَ
 
العام الذي يحتضر، الذي ستكون ليلةَ الختام هذه
بالنسبة له قبةَ ضريحٍ كبير،
 مغطاة ًبكل ما تستجمعين من جبروتِ
 
أبخرتِكِ التي من جوّها الصلب
سينفجر مطر أسود ونار ووابل من البَرَد: أتوسل إليك أن تسمعي!

 
3
 
أنتِ التي أيقظتِ البحر الأبيض المتوسط ذا اللون الأزرق
من أحلامه الصيفية، حيث كان راقدًا
يهدهده تكور جداوله البلورية،
 
بجوار جزيرة صخور بركانية نَخِرة في خليج بايا،
ورأى في منامه قصورًا وأبراجًا قديمة
ترتعش في يوم الموجةِ الأكثر توتُّرًا،
 
وجميعها قد تطاولت عليها طحالبُ وزهورٌ زرقاء
حلوةٌ إلى حدّ يفوق التصور! أنت
يا من في دربك قوى الأطلسي الملساء 
 
تلقي بنفسها في هاويات سحيقة، بينما في الأعماق البعيدة
براعم البحر وغاباتة الطينية التي ترتدي
أوراق الشجر الخالية من العصارة في المحيط، تعرف
 
صوتَكِ، وفجأةً تكتسي بلون الرماد هلعًا،
وترتعد وتسلب نفسها: أتوسل إليك، اسمعي!

 
4
 
ليتنِي ورقةُ شجرٍ ميتةٌ لعلك تحملينني؛
ليتنِي سحابةٌ رشيقة لأطير معِك؛
موجةٌ تلهث تحت سطوتكِ، وتشارككِ
 
في إيقاع قوتك، لكن بحريةٍ أقلّ
منك، يا من لا تخضع لسيطرة شيء، ليت أنّي
كما كنت في صِبايَ، أستطيع أن أكون
 
رفيق جولاتك عبر السماء،
وأيّامَها، حين لم يكن تجاوز سرعتكِ السماوية 
يبدو أمرًا بعيد المنال، ما كنت لأُجْهِدِ نفسي
 
معك كما الآن في دعائي وأنا في أمسّ الحاجة.
أوّاه! ارفعيني مثل موجةٍ، ورقةٍ، سحابة!
ها أنا أسقط على أشواك الحياة! أنْزِف!
 
عِبْئٌ ثقيلٌ من الساعات قيّدَ وحنى ظهرَ
واحد هو أيضًا مثلك: عصيٌّ على الترويض، متعجّلٌ، ومعتدٌّ بنفسه.

 
5

 
اجعليني قيثارتك، مثلما هي
الغابة؛
ماذا لو كانت أوراقي تتساقط مثل أوراقها!
فالصخب الذي تصدره إيقاعاتك الجبّارة
 
سيأخذ من كلينا نغمًا خريفيًّا عميقًا،
حلوًا على الرغم من الحزن. كوني أنت، أيتها الروح الشرسة،
روحي! كوني انت أنا، أيتها الجامحة!
 
طوفي بأفكاري الميتة حول الكون
كالأوراق الذاوية لتُعَجِّلي بميلاد جديد!
وبقوة تعويذة هذا القصيد،
 
بعثري، كما من موقدٍ رمادُهُ
وشرره مُنطفِآن، كلماتي بين بني البشر!
كوني من خلال شفتيّ إلى الأرض التي لم تستيقظ
 
بوقَ النبوءةِ! أيتها الريح،
إذا حلّ الشتاء، فهل سيكون الربيع بعيدًا؟
***
-----------------------------------------------
* المنيادة: المنيادات في الأساطير الإغريقية هن مجموعة من الإناث يتبعن ديونيسيوس، إله الخمر. ويشير معنى كلمة منيادة إلى الجموح والعربدة والانفعال الشديد.
- يعد الشاعر بيرسي شيلي واحدًا من كبار الشعراء الرومانسيين الإنجليز ومن أعظم شعراء القصيدة الغنائية في اللغة الإنجليزية. ولد شيلي في 4 آب عام 1792 من أسرة ثرية، فقد كان والده عضوا في البرلمان، وهذا ما أتاح له الالتحاق بجامعة أكسفور عام 1810. لكنه في العام التالي في شهر مار، طُرِد هو وصديق له يدعى توماس جيفرسون هوغ، وذلك للاشتباه بأنهما قاما معًا بتأليف كتيّب بعنوان "ضرورة الإلحاد.".

في عام 1811 التقى بفتاة تدعى هارييت ويستبروك وهرب الاثنان معًا إلى اِدنبره، وبعد ذلك بعام واحد، ذهبا بصحبة شقيقة هارييت  إلى دبلن، ثم إلى ديفونن، ومن هناك إلى شمال ويلز. بحلول عام 1814كانت هارييت قد أنجبت طفلين، إلا أن علاقتهما الزوجية كانت قد انهارت. وهرب  شيلي مع امرأة أخرى هي ماري غودوين التي تعرف باسم ماري شيلي، وهي كاتبة الرواية الشهيرة "فرانكشتاين."

سافر شيلي وماري وبصحبتهما  أخت غير شقيقة لماري إلى كل من فرنسا وسويسرا والمانيا قبل ان يعودوا جميعاً الى لندن، حيث سكن شيلي وماري بالقرب من حديقة وندسور الكبرى. وهناك كتب قصيدته" ألاستور" Alastor  (1816)، التي جلبت له شهرة واسعة.

في عام 1816 قضى شيلي فصل الصيف على ضفاف بحيرة جنيف مع بايرون وماري، التي كانت قد شرعت في كتابة "فرانكشتاين". وفي خريف ذلك العام، انتحرت زوجته الأولى هارييت غرقًا. وعلى أثر ذلك تزوج شيلي من ماري  واستقرا عام 1817 في مارلو الكبرى على نهر التيمز، وقد سافرا لاحقًا إلى إيطاليا. وهناك كتب شيلي  السوناتة الشهيرة "رمسيس الثاني" Ozymandias  (1818)، كما قام بترجمة "الندوة" لأفلاطون من اليونانية.
 
بالإضافة إلى أعماله الشعرية الشهيرة مثل "رمسيس الثاني" و"قصيدة إلى قبّرة" و"قصيدة إلى الريح الغربية،" ألّف شيلي أعمالًا شعرية مطولة مثل "بروميثيوس طليقًا " و"ألاستور" و"أدونيس" و"ثورة الإسلام" و"ملكة مؤاب."
 
في 8 تموز عام 1822 أثناء وجوده في إيطاليا، قضى شيلي غرقًا في حادث بحري.

لا يوجد تصويت

07:32:03 ص

الخميس 24 - يوليه - 2014 م الموافق 27 - رمضان - 1435 هـ

3283260

442