مدير التحرير

فيصل البيدان

24.01.2011

كتابة المقالة بأسلوب الوصف "السرد" لـ ( د.

 

كتابة المقالة بأسلوب الوصف "السرد"

 

 

و فيه يتمّ تقسيم ما نصفه إلى أجزاء نجعل لكل جزء منها فقرة . أما الهدف من المقال السردي فهو إعطاء صورة واضحة و مفصّلة لمكان رآه الكاتب أو حادث شاهده . و لتحقيق ذلك ، ينبغي أن يخصّص الكاتب الفقرات المكوّنة للقسم الثاني من المقال لإعطاء صورة للمكان أو سرد لوقائع الحادث . و طبيعي أن يتابع الكاتب في وصف المكان أو الإنسان أو أي شيء آخر حركة عينيْه . و في الحكاية يتّبع الكاتب الحركة الزمنية ، و في الحالتين كلتيهما تختص كل فقرة بزاوية من زوايا المكان أو واقعة من الحدث ، بقدر من التفاصيل . و بذلك يخرج القارئ بصورة واضحة للمكان أو الحادث كما لو كان قد شاهده بنفسه .

 

مثال: غزوة بدر الكبرى: <1>

و هنا نلاحظ التوالي الزمني للأحداث في عرض المقال ، و ذلك على النحو التالي:

1- المقدمة: أهمية غزوة بدر من منظور إسلامي ، لإثارة انتباه القارئ و تحديد موضوع المقال .

2- العرض: و فيه نعرض الحركة الزمانية للأحداث ابتداء من خروج المسلمين من المدينة و حتى تحقيق النصر المؤزّر و إلحاق الهزيمة بالمشركين .

3- الخاتمة: و نعرض فيها عددا من الجمل تؤكد نتيجة المعركة و تبرز أهميتها .

 

و في ما يلي عرض لمقالة "غزوة بدر الكبرى"

 

الفقرة الأولى: مقدمة تثير انتباه القارئ و تحدّد موضوع المقال:

كانت غزوة بدر التجربة الأولى للنبي – صلى الله عليه و سلم – و أول معركة كبيرة في الإسلام . كانت أولى مراحل الجهاد الذي خاضه الإسلام على الشرك . و كانت المثل الأعلى للإيمان المطلق ، و الشجاعة الفائقة ، و القيادة الحكيمة ، و قيم الحرب الأصيلة . لقد كانت بحق المعركة الفاصلة بين نور الإسلام و ظلام الشرك ، فانتشر النور و عمّ البشرية بضياء العقيدة السمحة .

 

الفقرة الثانية: خروج المسلمين من المدينة لتوجيه ضربة عسكرية و سياسية و اقتصادية لقريش:

كانت بداية المعركة عندما علم الرسول الكريم أن قريشا قد جهّزت قافلة كبيرة وضعت فيها جلّ ما لها و أرسلتها إلى الشام بقيادة زعيمها المحنّك أبي سفيان . و هنا قرر الرسول – صلى الله عليه و سلم – بعد استشارة أصحابه الخروج لاعتراضها و الاستيلاء عليها ، و بذلك يوجّه ضربة عسكرية و سياسية و اقتصادية قاصمة إلى مشركي مكة الذين آذوه هو و أصحابة و أخرجوهم من ديارهم و صادروا أموالهم و ممتلكاتهم .

 

الفقرة الثالثة: تجهيز الجيش و تنظيم القيادة:

خروج الرسول – صلى الله عليه و سلم – من المدينة المنورة على رأس قوة مؤلفة من ثلاثمائة و سبعة عشر مقاتلا من المهاجرين و الأنصار ، و معهم سبعون بعيرا و فَرسان فقط . و عند خروجه – صلى الله عليه و سلم – رتّب الجيش و وزّع القيادات: فدفع لواء القيادة العامة ، التي كان يتولاها بنفسه ، إلى مصعب بن عمير ، و جعل على كتيبة المهاجرين علي بن أبي طالب ، و على كتيبة الأنصار سعد بن معاذ ، و أعطى قيادة الميمنة للزبير بن العوام ، و الميسرة للمقداد بن عمرو الكندي ، كما أعطى قيادة الساقة ( المؤخرة ) لقيس بن أبي صعصعة . و بذلك خرجَ جيش المسلمين منظما يعرف قياداته و واجباته ليخوض أولى معاركه .

 

الفقرة الرابعة: استخدام عامل المفاجأة:

و لم يخفَ على القائد العظيم ما للمفاجأة من أهمية في تحقيق النصر على العدو . و من ثم أمر جيشه بأن يخرج في سِرّيّة تامة ، و حتى تتم المفاجأة أمر بقطع الأجراس من أعناق الإبل حتى لا يجذب صليلها انتباه العدو . و منذ أن فصل الجيش عن المدينة بَثَّ – صلى الله عليه و سلم – عيونه هنا و هناك يتقدمون الجيش و يتعرفون إلى أخبار قافلة العدو . و ظل يتقدم بجيشه و يستقبل الأخبار حتى وصل قريبا من بدر فنزل بجيشه و عسكر قريبا منها .

 

الفقرة الخامسة: شعور القافلة بالخطر و طلب النجدة من مكة و خروج جيش كبير من قريش:

و عندما اقترب أبو سفيان من مناطق المسلمين بعث عيونه ليَروْا ما إذا كانت هناك تحركات من جانب المسلمين تهدد القافلة . و عاد عيونه يخبرونه بخروج الرسول – صلى الله عليه و سلم – و صحبه من المدينة قاصدين الإيقاع بالقافلة فأسرع أبو سفيان إلى طلب نجدة عاجلة من مكة لإنقاذ أموالهم و قافلتهم . و عندما وصل مبعوث أبي سفيان إلى مكة أخذ يستصرخهم طالبا النجدة لأبي سفيان حتى لا تقع القافلة في أيدي المسلمين . انزعجت قريش لهذه الأنباء الخطيرة ، و قررت في الحال تجهيز جيش قوي . فاشتركت جميع بطون قريش في مد هذا الجيش بالرجال و العتاد و المال ، و خرج زعماء قريش و صناديدها على رأسه . فبلغ جيش قريش ألفا و ثلاثمائة مقاتل بسلاحهم ، و معهم مائة فرس و سبعمائة بعير .

 

الفقرة السادسة: تطورات مفاجأة ؛ إفلات القافلة و تقدٌّم الجيش:

و علم أبو سفيان بخروج الجيش من مكة و لكنه كان قد تجنب خطر الوقوع في قبضة المسلمين . فأرسل إلى قريش يطلب منهم العودة فلم يعد لهم حاجة . إلا أن الحقد و قوى الشر و الغرور كانت قد سيطرت على قيادة جيش المشركين و لا سيما أبا جهل الذي أصر على رفض نصيحة أبي سفيان و مواصلة السير إلى بدر حتى يظهر قوة قريش و يزرع الخوف في قلوب المسلمين و القبائل القاطنة بين مكة و المدينة . و قد حاولت بعض القبائل إقناع قادة الجيش بالرجوع إذ لم تعد هناك حاجة للقتال ، إلا أن أبا جهل – و قد أعماه حقده – أصرَّ على المضي قدما في حين انسحبت قبيلة زهرة عائدة إلى مكة ، و كانوا حوالي ثلاثمائة رجل و تحرك جيش قريش شمالا في خيلاء متزايد و كبرياء متناه ، آخذا برأي أبي جهل إلى أن اقترب من ماء بدر .

 

الفقرة السابعة: مثل أعلى في القيادة و المشورة:

و أمام هذا الموقف الحرج يعطي الرسول الكريم المثل الأعلى للقيادة الرشيدة . فلقد وجد أن الموقف قد تغير ، أفلتت القافلة التي خرجوا للإيقاع بها ، و ها هي قريش قد خرجت بقضَّها و قضيضها و ما زالت تتقدم بالرغم من إفلات القافلة . لم يرضَ الرسول – صلى الله عليه و سلم – أن ينكص عن مواجهة المشركين مهما يكن الثمن ، مقدرا ما يمكن لهذا النكوص من أسوأ الأثر في الإسلام و المسلمين . و لكن الرسول – صلى الله عليه و سلم – بالرغم من كونه النبي المرسل ، و بالرغم من كونه القائد الأعلى للجيش قرر ألا ينفرد بالرأي ، بل رأي من الحكمة استشارة قواده . عرض عليهم الموقف و طلب رأيهم . فوقف قادة المهاجرين يعلنون تصميمهم على القتال و مواجهة المشركين ، و وقف زعماء الأنصار يعلنون إيمانهم المطلق و عزمهم الأكيد على قتال المشركين مهما يكن الفرق في العدد و العتاد . هنا اطمأن الرسول – صلى الله عليه و سلم – إلى صلابة الموقف و العزم الأكيد فاستبشر خيرا و أمر جيشه باتخاذ الموقع المناسب للمعركة .

 

الفقرة الثامنة: دور الاستخبارات:

و بدأت الاستخبارات تقوم بدورها في التجهيز للمعركة . أرسل الرسول – صلى الله عليه و سلم – نفرا من أصحابه لتقصّي أخبار العدو . و نتيجة لهذه المهمة أمكن تحديد عدد جيش العدو ، و تقدير قوته ، و معرفة مكان معسكره ، و شخصيات قواده ، و بذلك تكوَنت لدى قادة المسلمين صورة مفصّلة عن العدو . و في المقابل كان العدو يقوم باستخباراته أيضا . فأرسل أحد المقاتلين الذي دار حول جيش المسلمين ، و عاد إلى قادته بالأخبار ، و بذلك تجهّز الجيشان للّقاء الفاصل .

 

الفقرة التاسعة: بدء المعركة:

و اشتعل فتيل المعركة عندما تقدم أحد المشركين ليشرب من حوض المسلمين فأسرع إليه حمزة بن عبدالمطلب ، و عاجله بضربة سيف أطارت ساقه و تركته يتخبط في دمه دون أن يصل إلى الحوض . و هنا خرج ثلاثة من صناديد قريش و أبرز شجعانهم يطلبون المبارزة . فخرج إليهم ثلاثة من الصحابة الشجعان ، و التحم الفريقان في مبارزة فردية ، على عادة المعارك في القديم ، و لم تلبث المبارزة أن تكشف عن مصرع الكفار الثلاثة مجندلين بسيوف المسلمين البتّارة . فكانت أول ضربة قاصمة تلقّاها جيش المشركين زلزلت من كيانهم ، و حطّت من روحهم المعنوية ، و أذلّت زهوهم و كبرياءهم .

 

الفقرة العاشرة: الالتحام و دعاء الرسول ربه:

و التحم الجيشان ، و بدأت المعركة تشتد ، و ملآ الغبار المكان و اندفع المسلمون يدافعون عن عقيدتهم ترتفع حناجرهم بالتكبير لله الواحد الصمد . و وقف الرسول – صلى الله عليه و سلم – يراقب المعركة من مقر قيادته ، رأي كثرة المشركين و قلة عدد المسلمين فرفع يديه إلى السماء داعيا ربه: "اللهم إنك أنزلت عليّ الكتاب ، و أمرتني بالقتال ، و وعدتني إحدى الطائفتين ، و أنت لا تخلف الميعاد ، اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها و فخرها تحادّك و تكذّب رسولك ، فنصرك الذي وعدتني" . و يجيب الله دعاء رسوله ، فيرسل ملائكته تهبط إلى أرض المعركة لتثبّت قلوب المسلمين ، و تشد من أزرها فيزداد المسلمون إيمانا و ثباتا . و يجتاح الرعب قلوب المشركين فيتساقطون تحت ضربات المسلمين ، و يتشتت جمعهم .

 

الفقرة الحادية عشرة: نصر مؤزّر للمسلمين و هزيمة ساحقة للمشركين:

و بعد قتال مرير ضارٍ شاع الاضطراب في صفوف المشركين ، و أخذت هذه الصفوف أمام حملات المسلمين العنيفة تتهدم ، و اقتربت المعركة من نهايتها فدبّ الهلع في نفوس العدو و قد  رأوا زعماءهم و قادتهم صرعى على أرض المعركة . أخذت جموعهم تفرّ ، و ركب المسلمون ظهورهم يأسرون و يقتلون مخلّفين سبعين صريعا . في حين استشهد من المسلمين أربعة عشر فقط ، و كان أبو جهل من بين القتلى الذين خلّفهم الفارون ورائهم .

 

الفقرة الثانية عشرة: خاتمة تؤكد نتيجة المعركة:

لقد كانت موقعة بدر بحق نصرا مؤزرا للمسلمين أعزّ الله به دينه ، و نصر رسوله ، و شدّ من عضد المسلمين ، و أصبحت غزوة بدر الكبرى مثالا يحتذيه قادة المسلمين في فتوحاتهم التي امتدت شرقا و غربا تنشر دين الله و تؤسس دولة الإسلام .

 

 

و يحسن أن نشير هنا إلى لونين آخرين من الكتابة الموضوعية يحتاج إليهما طالب الكليات العلمية بوجه خاص و هما: وصف الآلة و تاريخ الحالة ، هذان الموضوعان يتطلبان قدرا كبيرا من الاهتمام و العناية لارتباطهما بالدراسة العلمية ارتباطا وثيقا .

 

 

 

 

 

 

هوامش:

1-   أحمد شوقي رضوان ، التحرير العربي ( ص 132 و ما بعدها ) .

 

 

المصدر:

كتاب ( فن المقالة )

المؤلف ( د. عبدالرؤوف زهدي / د. سامي يوسف ابوزيد )

الناشر ( مكتبة الفلاح ) الطبعة الثالثة 2009

 

لمتابعة بقية الإدراجات الخاصة بالكتاب:

http://mql.cc/NewsDetails.aspx?id=626

لا يوجد تصويت

11:02:42 م

السبت 23 - سبتمبر - 2017 م الموافق 03 - محرم - 1439 هـ

5340750

123